ساكنة جانسيز

  • 2019 1 12 | الصفحة الرئيسية

المرأة التي احييت الروح في الاجساد

اسم يعرفه كل متابع لشؤون المرأة ونضال الحرية. إنها من مواليد 1958 من مدينة ديرسم في باكور )كردستان تركيا(، التي تم تتريكها إلىتونجلي، بعد سحق انتفاضتها الأخيرة قبل عشرين سنة من ولادة هذه الطفلة، التي عرفت كيف تنتقم لمدينتها العَلَوية من الذهنية الطورانية الغاشمة. لقد عرفت هذه المدينة مجازر مروعة على يد الدولة التركية الحديثة، والتي كان آخرها

مجزرة ديرسم 1938 ، حيث قُتل الآلاف ونُكِّل بالنساء وسُجِّل الأطفال في مدارس خاصة لتتريكهم واجتثاثهم من أصولهم ذهنياً وفكرياً وثقافياً. عرفت ساكينة كيف تفجر هذا الحقد تجاه الدولة التركية الفاشية، وكيف توسع دائرة نقمتها

لتشمل كل الأنظمة الاستبدادية. وهذا ما جعلها منذ أن كانت شابة جامعية تختار صفها لتكون

مع المظلومين والمقهورين، ولتتشبث بفكر الاشتراكية والديمقراطية على الدوام. إن ساكنة هي انبثاق لتاريخ ديرسم

وكردستان وكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا متجسداً في شخص امرأة ثورية. ذلك أن الروح الأصيلة لهذه المناطق

عادةً ما تتجسد في شخص المرأة. فكل البدايات التاريخية فيها كانت على يد المرأة ومجبولة بهويتها وروحها وطاقاتها. لذا، لا

بد من التعريف بسارة والتحدث عنها مع تدفق الأزمان دون انقطاع. يقول عنها القيادي في حزب العمال الكردستاني مصطفى قره سو: لطالما تساءلتُ من أين تأتي خاصية التمرد لدى سارة؟ ثم توصلتُ إلى القناعة بأن تمردها يأتي من الواقع التاريخي والاجتماعي لمدينة ديرسم. لقد كانت بركاناً يفور بعشق الحرية. فهي ابنة ديرسم التي لم تتعرف على الدولة ولا على السلطة إلا بعد مجزرة ديرسم1938 . بالتالي، فالواقع الاجتماعي لديرسم ظل عامراً العشرات آلاف السنين بالروح المجتمعية وحب الحرية والإنسان والطبيعة. بالتالي، فتمردها هو التمرد على هذا الواقع القريب الذي شهد الدولة وتعرّف على السلطة

بكل ممارساتها الفاسدة والقمعية والإقصائية والإنكارية. إنه تمرد لأجل العودة إلى ما كانت عليه ديرسم قبل التعرف على الدولة والسلطة. رغم ذلك، فقد كانت عواطفها جياشة. وهذا ما يعكس الجانب التاريخي والاجتماعي الآخر لديرسم التي ظلت تعيش الذكاء العاطفي الطبيعي، ولم تعرف الذكاء التحليلي الماكر إلا مؤخراً جداً. لذلك، فقد كان حب الإنسان لديها فوق كل اعتبار.. ساكنة جانسيز في صفوف حركة الحرية بدأت نضال حرية الشعب الكردي في التاريخ الحديث بقيادة عبد الله أوجالان في عام 1978 ، بعد الإعلان عن تأسيس حركة الحرية، وسطَ أجواء تتحكم بها سياسة الإنكار والإبادة ضد الشعب الكردي من جميع النواحي وعلى كافة الأصعدة. وكانت ساكنة جانسيز واحدة من امرأتَين شاركتا في المؤتمر التأسيسي للحزب من أصل المجموعة التأسيسية التي بلغت 23 شخصاً حضروا المؤتمر. وقد ذُكر من حينها أن حرية المجتمع تمر من حرية المرأة. منذ أن تعرفت ساكنة جانسيز على الحركة التحررية الكردية، بدأت بالتمرد على العائلة وعلى محيطها من أجل الدفاع عن قناعاتها

الفكرية، ونشرها والتعريف بها وتَمَثُّلها. كانت تناضل كمَن يحفر البئر بإبرة، في سبيل كسب وّد الفتيات والشبان، وتوعيتهم وطنياً وقومياً. فأقسَمت ساكنة، التي عُرفَت من حينها بلقَبِ سارة، على أن تكون صوت الحرية للمرأة التي يُراد استعبادها، وأن تكون روح الشعب الذي يُراد القضاء عليه. لم يكن انخراطها في صفوف هذه الحركة اليافعة سهلاً. وقد ذكرت ذلك في إحدى مقابلاتها قائلةً: لقد تخليتُ عن العائلة، ورفضت ضغوطها عليّ، وأصرَّيتُ على الالتحاق بالثورة. باشرت سارة بتسيير الأنشطة التنظيمية في مختلف مدن شمال كردستان )تركيا(، إلى أن

اعتُقِلَت إثر انقلاب 12 أيلول 1980 العسكري الفاشي. فبقيت في الحجرة رقم 5 في سجن ديار بكر أكثر من عشر سنين، ليُفرَج عنها في عام1991 ، وتذهب إلى أوروبا بعد تلقي التدريب في سهل البقاع، لتشرف هناك على تنظيم الأنشطة النسائية. لكن الانتربول الدولي كان قد وضعها على اللائحة الحمراء. فاعتُقِلَت في شهر آذار عام2007 في فرنسا، لتبقى قرابة شهر ونصف في سجن دامتور ويُطلقَ سراحها بعد ذلك. تميزت سارة بوقفتها الأبية في سجن آمد )ديار بكر( الشهير بصِيته السيّئ، وبتمثيلها للكريلا الحرة على ذرى الجبال. كما كانت دبلوماسية محنكة في الدول الأوروبية، وناشطة تنظيمية في مدن كردستان، وفيلسوفة في نظرتها للحياة بشأن كل نساء العالم. مقاومة سارة في سجن ديار بكر: مع انقلاب 12 أيلول 1980 الفاشي، تشتت الكثير من القوى والحركات اليسارية في تركيا. لكن حركة الحرية عرفت كيف تقاوم وتصمد. فكانت مقاومة السجون طفرة نوعية حددت ملامح الحزب كانت مقاومة سارة لبنة أساسية في هذه المقاومة التاريخية ضد التعذيب الوحشي الذي يندر مثيله. ورغم قلة عدد النساء المعتقلات نسبة الى المعتقلين الرجال، إلا إن مقاومتهن كانت مؤثرة جداً. وخاصة سارة، التي حافظت على وقفتها الأبية تجاه شتى أنواع التعذيب، فتحولت إلى أسطورة بين رفاقها وشعبها على السواء.

فقد جُرِّمَت بسبب عضويتها في اللجنة المركزية واللجنة التأسيسية لحركة الحرية. لكنها دافعت عن نفسها سياسياً في المحكمة في كل مرة. كما حَثَّت رفيقاتها على المقاومة، فقمن بالعمليات المشتركة، ودخلن الإضراب عن الطعام معاً،

وخضن المقاومة جماعياً. وهذا ما جعل الكثيرين من أبناء شعبنا يسمّون أطفالهم الجدد باسمسارة، وجعل الكثيرين يتسمَّون باسمها لدى انخراطهم في صفوف الثورة. كانت ساكنة جانسيز »سارة » بشعرها المجعد الأحمر تَرود التمرد على الظلم الذي يتعرض له المعتَقَلون الكرد في سجن ديار بكر على يد الجلادين الأتراك الفاشيين. وتقول سارة عن تلك الفترة: كان السافل أسعد أوكتاي يُعرِّضنا جميعاً لشتى أنواع التعذيب. لكنني وقفتُ أمامه، وحدّقتُ في عينيه اللئيمتَين، وبصقتُ على وجهه القذر.

أجل، لقد بصقَت على وجه جلاّدها، دون أن تأبه بما ستلقاه من عقاب جراء ذلك. فأياً يكن، فقد منحت حياتها للثورة. وما من شيء آخر ستخسره في السجن. وقد ذاع صيتُ فعلتها هذه، واعتَبَرها كثيرون أنها عملية جريئة للغاية في ظل التعذيب السافر الذي يتعرضون له. كانت تنشر المرح بين رفاقها ورفيقاتها حتى داخل السجن، كي تخفف عنهم وطأة العذاب الذي يعانونه.

شهادات من السجن: يقول أحد الرفاق عن سارة عندما كانا معاً في سجن ديار بكر: رأيتُها عندما كنت أتجول بين المهاجع. لم يكن هناك كوادر نور النساء تمدّها بالقوة. لكنها كانت من مؤسسي الحزب، وظلت تسعى إلى فهم رفاقها وكسب قلوبهم.

كانت عواطفها جياشة وحيوية وتُنعش الأجواء في كل مكان تحلّ فيه. أجل، كانت تؤمن منذ البداية بتغيير ما هو قائم. وكانت مؤثرة فعلاً في هذا السياق. وقد وصَفَ الكاتب المعروفحسن خيري أصلان ما حصل في سجن ديار بكر حينها ضمن كتابه الشهير أفظع من الموت حتى. ولعل أهم ما قاله في كتابه: تُوَلِّد موجة الوحشية تلك صمتاً مريباً، لا يخترقه في السجن

إلا صوت التعذيب والصراخ في كل دقيقة هي أقرب ما تكون إلى عذاب جهنم. ثم يعترف: أعلم يقيناً أن ما يُكتَب هنا لن يكفي أبداً لشرح ما تم عيشه هناك. ويقول عنها مصطفى قره سو: كانت تتميز بوقفة أبية وشامخة وثورية حتى في السجن.

ولذلك لم يعرف الخنوع أو الاستسلام سبيلاً إلى قلبها النابض بالحيوية. وهذا ما كان يجعل الجميع يحبها ويحترمها ويعجب بها كثيراً. وقد أثرت وقفتها وخصائصها هذه في تحديد ملامح حركة حرية المرأة الكردية أيضاً بنحو كبير. ذلك

أنها تواصلت مع الآلاف من الفتيات في السجن، وأثرت فيهن، وجعلت الكثيرات منهن ينشطن أو ينخرطن في صفوف الثورة فور إطلاق سراحهن. بعض خصائص سارة: إن سارة هي روح الحرية المزدهرة في هذه الأراضي. ومسيرتها هي مسيرة الحرية والديمقراطية التي تُعبِّر عن الأمس واليوم والغد. إنها مسيرة كل القِيَم الجميلة والفاضلة المُحصِّنة لحركة الحرية الكردستانية. إنها تُمثِّل مجموع إرث العدالة والحق والمساواة والوجدان والحرية والديمقراطية البارزة في كدح المرأة، والنابعة

من هواء وماء وجذور هذه الأرض التي تمتد لآلاف السنين. ولذلك كانت سارة شامخة دوماً ولا تعرف الخنوع أو الاستسلام.

لقد كانت سارة مناضلة أممية تميزت دوماً بالإيمان الثوري وبالمعنويات العالية والعزيمة التي لا تتزعزع، وخاصة على صعيد حرية المرأة وأخوّة الشعوب. كانت متمردة لا يعرف اليأس طريقاً إلى قلبها النابض بالحيوية، ولا شيء اسمه مستحيل في قاموس مصطلحاتها وأحاديثها. وهذا ما أضفى عليها جمالاً خاصاً وميّزها عن غيرها، وجعلها أيقونة ومثالاً يحتذى به حتى عندما كانت على قيد الحياة. لم تكن على صراع مع مَن حولها فقط، بل ومع ذاتها أيضاً. إذ تحارب نقاط الضعف في نفسها،

وتتغلب على نواقصها بكل جرأة، وتُعيد بناء ذاتها بكل همّة، وتبدأ بانطلاقات مهمة في حياتها بقلبٍ يتّسع لكل الدنيا.

هكذا علّمَتها حقيقة ديرسم المتمردة. وربما هذا ما جعلها تختصر سيرة حياتها الشاقة والمليئة بالمغامرات والمجازفات في كتاب ضخم من ثلاثة مجلدات تحت اسم حياتي صراع دائم. كانت جريئة في طرح أفكارها حتى ولو كانت تلك الأفكار عكس التيار. وربما هذا ما جعلها تترك أثراً غائراً في كل مكان وطأت فيه وفي قلب كل شخص التقى بها، رجالاً ونساء، أطفالاً

وشباباً وعجائز. أما فيما يتعلق بمسيرة نضالها، فلم تكن تطيق انتظار الفرصة لعمل شيء ما. بل كانت تعمل على شق الطريق لخلق الفرص المواتية بجهودها الحثيثة واعتماداً على مقاومة شعبها، وتنظّم ذاتها ومَن حولها في خدمة الأهداف السامية

والطموحات النبيلة التي آمنت بها. وهذا ما جعلها تتحول إلى قيادية وطليعية نسائية بامتياز في هذا العالم الذي يشهد مجازر المرأة وإقصاءها من جميع مجالات الحياة، والذي يَعتَبر المرأة مجرد سلعة أو مادة جنسية أو شيء أو

مُلك. وبذلك تمكنت سارةمن التحول إلى شمس تُدفئ أفئدة المتعطشات إلى الحرية، على أمل أن تنعم البشرية بعالمٍ تسوده أخوّة الشعوب والمساواة والحرية، ويزدهر فيه العشق الحقيقي مرة أخرى